
طوال الفترة الماضية ، كنت فى عزلة تامة لا أفعل فيها شيئا سوى المذاكرة ، كنت أتابع الأخبار يوميا عن طريق الانترنت من هاتفى والذى كان وسيلتى الوحيدة لمعرفة ما يجرى .
يشاء القدر أن تكون تلك الفترة عامرة بالأحداث العملاقة :-
الهجوم على سفينة المساعدات التركية وتبعاته من خذلان هنا وعزة هناك ، دخول بعض القوافل إلى غزة ، إغتيال خالد سعيد ، المصادمة بين المحامين والقضاة و أشياء أخرى ...
توقيت هذه الأحداث كان يثير بنفسى ضيقا كبيرا ، فإحساس العجز يتملكنى ، وشعور بأنى مقيد بسلاسل الامتحانات والمذاكرة التى تمنعنى حتى من المشاركة بصوتى ضد الظلم والظالمين .
عاهدت نفسى أنى سأتخذ خطوات بمجرد انتهائى من الاختبارات ، لكن أتت " دورة التربية العسكرية " والتى سأكتب عنها بإذن الله فى وقت لاحق لتزيدنى إنشغالا وعجزا ، بل وتزيد الهم بكونها ليست إلا مضيعة للوقت والجهد ، المشكلة أنها إجبارية وغياب يوم يلغى الدورة بأكملها .
إنتهزت فرصة أن يوم الجمعة إجازة ، فعزمت على أن أنجز بعضا من مشاريعى المعلقة ، إتصلت بصديقى "جعفر" فى الاسكندرية ، وأخبرته بكونى متاحا يوم الجمعة ، واتفقنا أن نتقابل ، اتصل جعفر بى مساء الخميس وأخبرنى أن ألقاه فى مسجد " القائد إبراهيم " فى صلاة الجمعة .
بعد كثير من " بهدلة " المواصلات وطول السفر ، وصلت إلى المسجد ، صليت الجمعة فى الشارع لكثرة عدد المصلين ، ثم بعد أن انتهت الصلاة ، صليت أنا العصر جمعا وقصرا ، وأنا فى ركعتى الأولى ، شعرت بحركة غريبة ، ثم بصوت ينادى فى الناس :
- اليوم ذكرى الأربعين لإستشهاد خالد سعيد فادعوا له بالرحمة ، وإقرأوا له الفاتحة
قلت فى نفسى ، لعله رجل عادى يذكر الناس بخالد رحمه الله على أساس أننا فى الأسكندرية موطن الشهيد ، أنهيت الصلاة ، والتفت لأرى جموع غفيرة من الناس تتجمع من حولى ، فأدركت أن هناك أمر ما .
بعد قليل من الوقت ، عرفت أن هذا مظاهرة للجمعية الوطنية للتغيير فى إحياء ذكرى مرور أربعين يوما على إغتيال خالد.
وقفت أتابع الموقف ، وإذا بى على موعد مع رؤية كبار رموز المعارضة فى مصر ، لا تفصلنى عنهم سوى بضعة أمتار قليلة ، وكل منهم تكلم كلمة موجزة ، تدور فى مجملها عن محاربة الظلم ، والتصدى لتزوير الانتخابات ، والنضال الدستورى ، وعدم الخوف ، وعدم تصديق من يحاولون زرع الفتنة بين الاخوان والجمعية الوطنية للتغيير ، الرموز الذين رأيتهم :
- المستشار محمود الخضيرى
- د.حسن نافعة
- د.جورج إسحاق
- أبو العز الحريرى
- النائب مصطفى محمد مصطفى عن الاخوان المسلمين
- عم الشهيد خالد سعيد
وآخرون ...
أنا لست بصدد كتابة تقرير صحفى عن المظاهرة ، فالتقارير التفصيلية موجودة فى كل المواقع الاخبارية ، إنما أنا أتحدث عن نظرتى أنا لما رأيته :
- كنت مسرور جدا لرؤيتى فصائل أخرى غير الاخوان المسلمين تخرج فى جموع حاشدة لتعترض على الظالمين ، أنا فى حياتى كلها لا أرى إلى مظاهرات الاخوان ، لذا كان رؤية غيرهم يمثل لى بارقة أمل ، فأنا أؤمن تماما أن النهضة لن تقوم على فصيل واحد مهما بلغت قوته ، إنما على الاتحاد بين جميع من يهمهم أمر مصر .
- بالطبع لم تكن المظاهرة بالقوة ولا بالنظام الذى تعودت رؤيته فى مظاهرات الإخوان ، لكن هذا لا ينقص أبدا من قدرها ، فالاخوان جماعة تاريخية تعمل على الساحة منذ عشرات الأعوام ، بينما الفصائل التى رأيتها بالأمس مازالت فى بداية الطريق ، لذا فمن الظلم أصلا أن نعقد المقارنات ، مظاهرة الآمس مثلت بالنسبة لى أمل جديد أن التغيير قادم فى الغد القريب بإذن الله
- أكثر ما أثر فينا ، هو طفل صغير لا يتجاوز العشرة أعوام حمله أباه على كتفه ، ليستلم هذا الطفل زمام المظاهرة ويقود الهتاف بشجاعة وجرأة يحسد عليهما ، والجموع تردد من بعده ، هتف حوالى أربعة هتافات قوية ، فصفق له الجميع بعد ان انتهى ، ونزل جورج إسحاق من على المنصة وقبله ، مما دفع المسئول عن المظاهرة أن يقول أن أمثال هذا الطفل دليل واضح على أن مصر الطاهرة ستظل ممتدة لأجيال قادمة .
- أخيرا ، أجمل ما فى الأمر أنى لم أخطط له ، ولم يخطر على بالى أصلا أنى سأحضر شيئا مثل هذا ، لكنها تراتيب القدر ، وإختيارات الله عز وجل ، أعتقد أن كل ما فعلته هو أنى عزمت أن أكون صاحب دور فعال فى هذه الحياة ، فكانت تيسيرات الله ، سأسير فى حياتى بإذن الله بهذه الروح ، وأعلم يقينا أن الله سييسرنى إلى عظيم المنح ...
يبقى فى النهاية أن أسجل أنى على يقين شديد أن فجر حريتنا أوشك أن يطلع ، إقترب الفرج بإذن الله ، المهم أن أكون من أسباب طلوعه ...




