الثلاثاء، 14 يوليو، 2009

"أســــــــطورة" ... قصة قصيرة



إنتبهت من نومى على صوتِ المذياع الصادرِ من مُكبِّرِ صوتٍ بأحدِ المساجد فى حَيـِّنا ، أمسكتُ بهاتفى ، نظرت فى الساعة، الفجرُ أوشك أن يؤذن ، حاولت النهوض فأحسست بثقلٍ فى جسدى وكأنى مربوط ٌإلى السرير ، بعد محاولاتٍ عدة تمكنت أخيرا ًمن النهوض ، توضأت وصليتُ ركعتين ، وما هى إلا لُحيظات وارتفع صوت المؤذن ليعلن بدء يومٍ جديد ،يا الله ، ما أروع أن تبدأ يومَك مع الله ، وتنهيه مع الله ، وبين البداية والنهاية أنت مع الله ، فحياتك كلها لله وبالله ومع الله ، تنتهدت تنهيدة رضا عندما راودتنى تلك الخواطر ، وقمت من محرابى مسرعا كى ألحقَ بتكبيرة الإحرام .

فى المسجد جلست أنتظر الإقامة ، لسانى لا يتوقف عن التسبيح ، وعيناى ترقبان المؤذن ، كان فى حالة ترقبه المعتادة ، عيناه على باب المسجد ، نظراته توحى بأنه فى انتظار أحد ، بالطبع كلُّ من فى المسجد يعلم من هو المُنْتَظر ، انتفض المؤذن فجأة عند رؤيته وقام على الفور ليقيم الصلاة ، فالشيخ " سعيد " قد وصل .

الشيخ سعيد رجلٌ ملامحه تخبرك بأنه على الأقل قد تجاوز الثمانين ، قصيرُ القامة ، مُهلهل الملبس ، بطيء المشية ، عندما كنت مستجداً فى الصلاة فى هذا المسجد ، كنت أحسبه متسولا ، إلا أنى صُعقت عندما علمت أنه إمام المسجد ، هو ليس الإمام بصفةٍ رسمية ، فالمسجد له إمامٌ آخرٌ ذو صفةٍ رسميةٍ ووظيفةٍ حكومية ، إلا أن الشيخ سعيد يصلى إماما بالإكراه، الكل يسلـِّم بفكرة أنه الإمام ، معظمهم نشأ منذ صغره وهو يراه يؤم المصلين ، عقودٌ مرت على إمامته ، حتى صار وجوده مقترنا ًبالإمامة، العجيب أنه لا يملك أيا من مقوماتها ، صوته من الأصوات التى تحتاج إلى سدادت أذنٍ لتحميك ، تجويده يدخل فى دنيا العجائب ، الرفع عنده منصوب ، والنصب عنده مجرور ، والكل يصبُّ فى النهاية إلى القلقلة، حفظه للقرآن معدوما، أذكر مرة كان يصلى بسورة يوسف ، وكان يتلو الآيات التى تحكى قصة غواية إمرأة العزيز لسيدنا يوسف ، وفجأة دخل فى آيات دخول إخوة يوسف عليه بعد أن ملكه الملك على خزائن الأرض ، حاولت جاهدا أن أصحح له ما أخطأ به ، إلا أنه لم يكترث لتصحيحى واستمرَّ بلا توقف ، تعجبتُ فى البداية أشدَّ العجب ، وغضبت أكبرَ الغضب ، إلا أنـِّى علمت بعد ذلك أنَّ شيخنا لا يعترف بفكرة التصحيح ، هو مؤمنٌ بحفظه حتى ولو أدخل إخوة يوسف عليه وإمرأة العزيز تغويه .

تمرُّ الأيام ، واستغرابى لهذا الوضع يزداد ، وتعجبى من سكوت أهل الحىِّ يتفاقم ، و دهشتى من تسليمهم لهذا الأمر وكأنه محتوم ٌحتمية الموت تتنامى ، وما كاد أن يدفعنى للجنون هو رؤيتى للمسجد يكتظ ُّبحفظة القرآن ، و بمن أحسبهم من العاملين به ،الا أنـُّه عند كل صلاة ترى شيخنا يمشى بخطوات واثقة نحو موضع الإمامة ، ويُتـحفنا بصلاةٍ لا نراها فى مكان غيرِ مسجدنا ، حاولت أن أتحدث ذات مرةٍ مع أحد رواد المسجد ، فأشعرنى بجرم ما اقترفته ، ودناءة ما ساورنى من أفكار ٍوظنون،الشيخ سعيد أصبح يمثل لهؤلاء الناس أسطورة ٌمن الأساطير ، شأنه كشأن التنين الذى يقذف ألسنة النيران من فمه ، أو مصاص الدماء ذو الأنياب البارزة ، إمامته صارت بالنسبة لهم قضاءٌ وقدر لا يجرؤ أحدٌ على الإعتراض عليها أو التشكيك فيها ، ومهما تواجد فى المسجد من علماء أو قراء ، يظل شيخنا هو أحقهم بالإمامة ، والحالة الوحيدة التى من الممكن أن تنهى إمامته هى أن تحدث معجزة ، والمعجزات انتهت بموت رسول الله ، لذلك صار الجميع راضين بالصلاة ورائه ، مهما ساء صوته او خطأت قراءته .

حتى أتى هذا اليوم التاريخى ، رجلٌ غريبٌ عن الحيِّ مرَّ بجوار مسجدنا وقت صلاة المغرب ، فدخل ليصلى ، كان مستناً بسنة النبى فى إعفاء اللحية وقص الشارب ، قام المؤذن ليقيم الصلاة عندما رأى الشيخ "سعيد" عند باب المسجد ، الرجل الغريب التفت يُمنةً ويُسرةً يتفحَّصُ فى وجوه الناس ليرى ان كان هناك مَنْ أحقَّ منه فلم يجد ، فقدم المسكينُ نفسه للإمامة ، لم ينبس أحد ببنت شفه ، الكل يرقُب ما سيحدث لهذا المجنون الذى تجرأ ودخل ليؤمَّ الناسَ فى حضْرة شيخهم المُبجَّل ، وكأنهم يترقبون أن ينزل الله عليه صاعقةً من السماء ، أو يسخطه قردا فى الحال ، دخل الغريبُ فى الصلاة على الفور،فجلس الشيخ "سعيد" على كرسى فى مؤخرة المسجد ليصلى مأموما ً فى مشهد يستحق أن يُصوَّر ويوضع فى طيَّات كتب التاريخ ، الناس فى صلاتهم لا يصدقون أن المعجزة قد حدثت ، الكلُّ يشعر بأنه فى حُلمٍ سيستيقظ منه ليجد شيخه هو من يصلى بهم ، إلا أن توالى الركعات والسجدات أخبرهم بأن الأمر حقيقى ، الأسطورة تحطمت ، الشيخ سعيد أصبح مأموما ًمثلهم ، الغريبُ فى التشهد ، الكلُّ منتظر السلام ، الغريبُ يُسلَّم يمنة ويسرة ، أنهى الصلاة فأنهوها ورائه ، الكل يجلس مذهولا، كيف حدث هذا ؟! ، انها حقا معجزة ، كنا نظنها مستحيلة ًفتحققت أمام أعيننا ، الجميع ما بين ذهولٍ ودهشةٍ وتعجبٍ واستغراب ، لم ينتزعهم من صدمتهم إلا صوتُ الغريب يتحدث فى مُكبّرِ الصوت

" السلام عليكم أيها الأخوة الأحباب ، أعتذر إليكم أشد الإعتذار ، فإنى تذكرت فى نهاية صلاتى أنى لم أكن متوضئا ، فأعيدوا صلاتكم ، عذرا شديدا إليكم ، فسامحونى "

الكل يتنهد فى إرتياح ، الشيخ "سعيد" يشق الصفوف ، و ...

" إستقيموا يرحمكم الله "

*******************
تمت بحمد الله

هناك 19 تعليقًا:

محمد الجرايحى يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قصة رائعة وأسلوب متميز وبناء محكم
لاأعرف أشعر أن لها مدلول سياسى أو إسقاط لوضع معين ....
تقديرى واحترامى
وبارك الله فيك وأعزك
أخوك
محمد
http://mhg1962.wordpress.com

mr_depo يقول...

هههههههههههههههههههههه....... ايه الموضوع الجامد ده ..المشكله ان امثال الشيخ سعيد بيخلوا الواحد يكره ينزل يصلي في المسجد (استغفر الله العظيم يعني) وره لانه عارف ان هو الي هيصلي

النجمة الصامدة يقول...

الأسطورة قصة ككل القصص
لكن لها في قناعاتنا شأنا عظيما
لذلك نصنعها أسطورة خالدة

وكل الأساطير يمكن أن تتكسر
لكنها لا تتكسر فوق عقول سلمت للغفلة
يلزمها صخر ركيز من الفكر المتيقظ


قصة مميزة بحق

شكر الله لك

غير معرف يقول...

قصة رائعة وبما انى اعرف الشيخ المقصود وقد شاهدت هذة الأسطورة الخالدة فأنى لم استطع ان امنع نفسى من الضحك على حال اهل الحى الكريم خاصة فى (شأنه كشأن التنين الذى يقذف ألسنة النيران من فمه ) فأنى اراه ابلغ تشبيه
بارك الله فيك ورزقنا اسطورة حقيقية فى مسجدنا
وانتظر حدوث المعجزة
gadou

Abd Al-Rahman يقول...

أ. محمد الجرايحى
مرور كريم على مدونتى ، جزاكم الله خيرا أخى على تعليقك و إطرائك ...
************
بالطبع القصة لها مدلول سياسى ، لكن ليس بالصورة التى وصلت لحضرتك ...
هههههههههه
************
دمت بخير
أرجو دوام التواصل

Abd Al-Rahman يقول...

عمر ...
طبعا انت حاسس بيا ...
ماحنا فى الهوا سوا ...

Abd Al-Rahman يقول...

النجمة
وشكر الله لكِ أنتِ أيضا ...
كلامك صائب فيما يتعلق بالعقول التى ستنكسر عليها تلك الأساطير ...
اسأل الله فرجا قريبا ...
جزيت خيرا أختى

Abd Al-Rahman يقول...

جادو
وأنت أيضا ممن يشعرون بكلماتى ، فأنت رفيق معاناتى يا صديقى ...
دمت بألف خير

مـــالك يقول...

عندما قرأت العنوان أسطورة ظننت يا عبيد الله أني سأقرأ أسطورة
ما قصصته في روايتك ليس أسطورة بل قصة شعبيه تتكرر في أغلب مساجدنا
وأمثال عم سعيد يملؤون الأفق بأصواتهم الملائكية طبعا...
أما عن الشيخ سعيد فليس مجرد شيخ وأما عن الغريب فلم ينسى أن يتوضأ بل منع من الوضوء أصلا....!!!
دمت مبدعا

غير معرف يقول...

حلو مرة

Abd Al-Rahman يقول...

مـــالك
صديقى العزيز
الشيخ سعيد ليس أسطورتى ، ولا أسطورتك
انما أسطورتهم ...
*********
افتقدتك عزيزى
عودا حميدا لمدونتك
دمت بألف خير

Abd Al-Rahman يقول...

غير معرف
شكرا مرة ...

فيصل الشناوي يقول...

سلمت يداك ايها الفنان المتميز وبارك الله في قلمك

Abd Al-Rahman يقول...

أ. فيصل الشناوى
جزاكم الله خيرا يا فندم
نورت المدونة أستاذى

عاشقة الأحزان يقول...

السلام عليكم

هههههههههههههه

ربنا يسمحك ياعم

بجد سعدت قووى لمرورك الكريم وان شاء الله يبقا الود والتواصل

تحياتى

انوسه

Abd Al-Rahman يقول...

عاشقة الأحزان
انا اسعد بزيارتى لمدونة حضرتك ، ونورتى مدونتى ...
وطبعا انتى عارفة انى كنت بهزر فى موضوع الحوادث ده ...
ههههههه
ربنا يكرمك
ان شاء الله التواصل قائم ...

اصرار أمل يقول...

ههههههه
ذكرتني بإمام مسجدنا في البلد
لما تسمع أذان الفجر منه تبقى عايز تناااام ..
الأسطورة حقا نحن نصنعها !!
فهي لم توجد بنفسها وإنما نحن نعطيها الهالة التي تحيط به ...
أسلوبك القصصي مميز جدا ..
بور قلمك ....

Abd Al-Rahman يقول...

اصرار أمل
صدقتى فنحن من نصنع الاساطير ...
مرورك طيب أختى
دمتى بخير

dr_coval يقول...

هنا بتنطبق العبارة اللى بتقول هم يضحك وهم يبكى

اضحك بشده مما سردته وقصصته علينا ولكن اشعر بان الهم والحزن تملكانى

القصة فعلا بتتكرر كتير باشكال وابطال واماكن مختلفة ولكنى لا اعلم متى سنقرر اسدال تتر النهاية