
بمجرد دخولى عامى الدراسى الرابع فى الكلية ، أنتقل من مرحلة التدريب والتعلم فى المعامل الفنية والتى كل تعاملاتى بها تكون مع الجمادات ، الى مرحلة التدريب والتعلم فى العيادات والتى يصبح كل تعاملى فيها مع المرضى من بنى البشر ، وفى بداية العام تبدأ رحلة البحث عن المرضى ، والتى من وجهة نظرى أنها رحلة شاقة ومعقدة ومهينة الى أبعد الحدود ، لكن كما يقولون أن المضطر يركب الصعب ، بدأت فى البحث عن مريض بلا أسنان ، لأن المطلوب منى هو عمل طقم لمريض خلال الفصل الدراسى الأول ، أصبح إيجاد مريض بلا أسنان هو شغلى الشاغل ، وعلى غرار أفلام جيمس بوند أو قصص أدهم صبرى ، بدأت المرحلة الأولى من خطة البحث وهى أن أسير فى الكلية وعينى تتفحص أفواه من فيها تبحث عن المشتبه به ، لكن مر الأسبوع الأول بلا نتيجة ، حضرت السكشن فوجدت أن بعضا من زملائى حصلوا على مبتغاهم وبدأوا فى العمل ، لم أكترث كثيرا لهذا الأمر ، فمازال أمامى الكثير من الوقت ، بدأت المرحلة الثانية وهى أن قمت بالاتصال ببعض معارفى فى طنطا أسالهم عن مريض بالمواصفات التى ذكرتها ، حتى رد على أحدهم بأنه يعلم إمرأة تريد أن تركب طقم ، وأنه سيرد على فى أقرب وقت ، مر يوم ويومان وثلاثة أيام ، لكن بلا رد ، أوشك الأسبوع الثانى على الانتهاء ، لم يتبق الا يوم واحد على موعد السكشن ، فاتصلت بهذا الرجل لأعلم منه ان كان سيحضر لى أحدا أم لا ، فلم يرد على ، اتصلت به فى وقت آخر فلم يرد على أيضا ، ففقدت الأمل فى أن أبدأ بالعمل هذا الاسبوع ، ذهبت الى السكشن ، فوجدت أن عددا أكبر من الزملاء بدأ فى العمل أيضا ، أما أنا فوقفت بلا هدف يذكر ، وشعور بالحنق يسيطر على ، فخطة البحث التى اتبعتها أثبتت فشلها الذريع ، وإحساسى بأن الوقت يمر بلا نتيجة كان سيئا لأبعد الحدود ، وبما أنى لم أستطع الحصول على مريض ، فقد أصبح أمامى حلان ، إما أن أنزل أتجول فى أنحاء الكلية واتناول افطارى وأشرب كوبا من الشاى الى أن ينتهى موعد السكشن ، وإما أن أقف مع أصدقائى فى العيادة وأقوم بمساعدتهم ، بالطبع اخترت الحل الثانى عملا بالمثل "نص العمى ولا العمى كله " ، حقيقة استمتعت بالعمل معاهم ، ومساعدتهم أزاحت عنى كثيرا من شعور الضيق الذى انتابنى ، انتهى السكشن ، ومنه قررت أن أنتقل الى المرحلة الثالثة والأخيرة من الخطة ، وهى أن أذهب الى فني معمل الكلية ، وأطلب منه بعض المساعدة ، فجيمس بوند وأدهم صبرى فشلا حتى هذه اللحظة فى رحلة بحثهما ، مر يومان ووجدت فنى المعمل يتصل بى ، لم أستطع أن أرد عليه لأنى كنت فى سكشن مادة التقويم ، عاود الاتصال أكثر من مرة ، فاستأذنت المعيد وذهبت اليه ..
- "ايه يادكتور مابتردش عليا ليه ؟"
- "معلش يا أستاذ/.... كنت فى سكشن "
- " انا عملت اللى عليا وجبتلك مريض واتصلت بيك كتير ، بس انت ماردتش عليا ، فاديته لواحدة زميلتك بتدور على مريض هى كمان "
كم تمنيت فى هذه اللحظة بالذات لو أن القتل حلال فى الاسلام ، و أحسست ببراكين من الغضب توشك على الانفجار ، وعبرت عن هذا الغضب بابتسامة صفراء وتمتمة بكلمة "خير خير"
- " ده أنا كنت جايبلك حالة حلوة أوى"
- " مفيش مشاكل تتعوض ان شاء الله متشكرين يا أ. .... تعبتك معايا "
تركته وانصرفت ، وأنا أدعو الله عز وجل أن ييسر لى أمرى ، أوشك الأسبوع الثالث على الانتهاء ، ولم يتبق الا يوم واحد على السكشن ، لكن فرج الله أتى بعد أن ضاقت على الأرض بما رحبت ، وجدت صديقى محمد يقبل على و :
- " انت فين ياعم أنا بقالى ساعة بدور عليك "
- " انا كان عندى سكشن ، خير "
- "خير ان شاء الله ، لقينالك مريض ، ومحمد .. ماسكهولك فوق "
تهللت أساريرى بشدة ، فأنا كنت على ايمان بأن الفرج سياتى وها قد أتى بعد طول انتظار ، انطلقت أنا وصديقى وتوجهنا الى المريض ، أشار محمد الى رجل يجلس فى قاعة الانتظار وأخبرنى أن ذاك هو ، توجهت ناحيته .
- " سلامو عليكو ياحاج "
- " عليكم السلام "
أردت أ، أسلم عليه لكنى انتبهت أن يده بها حرق شديد أتى على أصابعه فأصبحت يده بلا أصابع
- " أنا د. عبد الرحمن ، وان شاء الله أنا اللى هشتغلك "
- " أجيلك امتى ؟"
- "بكرة الساعة 9 ان شاء الله "
تركته وانصرفت وعقلى منشغل بالحرق الذى فى يديه ، فأنا أعلم أن أصحاب الإعاقات عافاكم الله يحتاجون لمعاملة خاصة ، لكنى طمأنت نفسى بأن هذه الاعاقة ستوجد فى قلبى رحمة تجاهه ، فيصبح عملى طاعة لله .
ذهبت الى الكلية يوم السكشن و كلى طاقة وحيوية ، ذهبت فى موعدى ، ومعى كل أدواتى ، وجهزت المكان الذى سأعمل فيه ، وجلست أنتظر ، لكن الرجل لم يأتى ، قلت فى نفسى عساه وجد صعوبة فى المواصلات ، ولا داعى للقلق ، طال الانتظار ولم يأتى ، خرجت واتصلت به فى بيته ، ردت عليه ابنته
- " السلام عليكم ، الحاج .... فين ؟ "
- " مين حضرتك ؟ "
- " أنا دكتور عبد الرحمن اللى هعمله الطقم "
- " ده هو راح الغيط والله "
- " الغيط ؟؟؟ المفروض ان فى معاد بينى وبينه النهاردة "
- " لا ده هو مش هاييجى عندكم النهاردة "
يا الله ، لم أقصر فى شيئ ، اجتهدت فى البحث ، أتيت فى موعدى بعد سفر طويل ، أدواتى كاملة ، جهزت مكان عملى .... فهل أتساوى بمن ينام فى بيته ؟!
مرت على ذهنى بعض من آيات القرآن ، التى كانت لى خير معين على ان أجتاز هذه الأزمة ، لكن الآية التى أخذت تترد فى ذهنى هى " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم " أنا أعلم أنه خير لكن لا أعلم كيف هو خير ؟
عملت هذا السكشن أيضا فى مساعدة أصدقائى ، لكنى هذه المرة كنت مشغولا بإيجاد إجابة للسؤال " كيف ما يحدث هذا خير ؟ "
أتانى صديقى محمد الذى احضر لى هذا المريض من البداية ليطمأن على ، ولما علم انه لم يأتى ، حمد الله وأخبرنى بأنه يشتبه أن الحرق الذى فى يده ليس حرقا انما مرض ، اتانى جواب سؤالى فى اليوم التالى من محادثة طريفة مع صديق لى يكبرنى سنا
- " مش المريض اللى جه لمعاذ طلع عنده leprosy "
- " ياراجل ، وعرفت منين "
- " عليه كل العلامات ، والدكتورة قالت لمعاذ طلع المريض بره وماتشتغلوش خالص "
- " أيوة شكله عامل ازاى يعنى ؟ "
- " ماعندوش صوابع ، وماعندوش شعر كتير ، ووشه متشوه "
أقسم بالله أنى أردت فى هذه اللحظة أن أسجد لله شكرا ، فهذا المريض هو نفس المريض الذى اتفقت معه ولم ياتى ... الآن أنا أنا أكثر ايمانا بأن أمر المؤمن كله خير .
سأعطيك نبذة قصيرة عن مرض ال leprosy وهو مايسمى بالعربية بمرض " الجذام " :
هو مرض عندما يصيب المريض فإنه يؤدى الى تآكل أصبعه ، وتشوه وجهه حتى يصبح كوجه الأسد ، وهو مرض عافانا الله واياكم ينتقل عن طريق اللمس ، ويتم عزل أى مريض بهذا المرض فى مستعمرة بعيدة عن المناطق المأهولة بالبشر ، وفى مصر يوجد هنا مستعمرة شهيرة وهى مستعمرة الطور ، وقد حذرنا صلى الله عليه وسلم من هذا المرض
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " لا عَدوى ، و لا طِيَرة ، و لا هامَّة ، و لا صَفَر . وفِرَّ من المجذوم كما تفرُّ من الأسد " . صحيح البخاري في الطب 5707
ولولا أنى أخاف أن أزعجكم ، لكنت أحضرت لكم بعضا من الصور لهذا المرض
بعد ماحدث أصبحت الآن أكثر طمأنينة وسكينة من ذى قبل ، أنا الآن أكثر تسليما لأمر الله . أنا الآن أؤمن حقا بأن أمر المؤمن كله خير
.

