
قالت له ببساطة شديدة
- لم أعد أريدك بعد اليوم
- ماذا حبيبتى ؟!! ماذا تعنين ؟!!
- أعنى أنى لا أريدك فى حياتى بعد الآن ، أريد الطلاق
- ماذا؟!! لم ؟! ماذا فعلت لك ِ
- لم تفعل شيئا ، لكننى سئمت حياة الفقر والتقشف التى أعيشها منذ تزوجتك ، لقد سئمت رؤية رفيقاتى وجيرانى وهن يتمتعن بالحياة الرغدة وانا هنا معك كالحبيسة فى سجن الفقر الأبدى ، أريد أن أعيش حياتى وأستمتع بها ، أريد أن أنعم بقصر فاره وسيارة ثمينة مثلهن ، أريد النعيم الذى لا أستطيح حتى ان أحلم به وأنا معك
- لكنك تعلمين كم أكد وأتعب حتى أوفر لك الحياة الكريمة ، تعلمين كم أحرم نفسى من لقمة الخبز حتى أستطيع أن أوفرها لك ، تعلمين كم أسهر الليالى ، وكم أتحمل الإهانات والصعوبات فقط لأرضيك
- وماذا يفيدنى كدك وتعبك إن لم يحقق لى ما أحلم به ، ماذا يفيدنى سهرك ومعاناتك ان لم تكن بلا نتيجة .
- أكاد لا أصدق ما أسمع ، ألست أنت التى أسمعتينى كلمات العشق والغرام؟! ، ألست أنت من قلت من قبل أنك مستعدة للتضحية بكل شيء من أجل أن تكونى معى ؟!، ألست أنت من عاهدتينى على الوقوف بجانبى فى السراء والضراء ، ألست انت من قلت أنك لاتبالى ان كنت تعيشين فى قصر او فى كوخ طالما أنك تعيشين معى ؟! ، بالله ردى على ، بالله أغيثينى بجواب يثنى عقلى عن الجنون .
- نعم قلت كل هذا ، لكنها كانت مجرد أحلام مراهقة ليس إلا ، أما إذا أرت رأيى الان ، فالمرأة التى تقول كل هذا ليست إلا إمرأة خرقاء تعيش فى ظلام الأحلام والأوهام وسيأتى اليوم الذى تدرك فيها كم كانت مخطئة ، وبشدة .
- خرقاء ؟!! المرأة التى تضحى من أجل زوجها فى نظرك خرقاء ؟! يا الله أفى حلم أنا أم فى علم ؟! ما هذا الكابوس القبيح ؟! شريكة عمرى هى من تقول هذا الكلام ؟! المرأة التى إخترتها لتكون شق روحى وروح قلبى ونور عينى هى من تخرج من فمها هذى الكلمات ؟!
سالت من عينه دمعة فشلت كل محاولاته لمنعها ، فالصدمة كانت أكبر من أن يتحملها.
- كف عن ندب حظك كالأرامل ، ولتستفق من خيالاتك ، مابيننا قد انتهى ، سأكون فى بيت والدى وأنتظر أوراق الطلاق فى أقرب وقت .
تركته وانصرفت ، نظر إليها وهى تغادر وهو يحلم بأن يكون كل هذا ليس إلا مجرد تمثيلية أو دعابة ، لكن أحلامه تبخرت عندما مر الوقت عليه كالأدهر من دون أن ترجع.

رمى بنفسه على الأريكة ككيس من القطن ، واستلقى كالميت من دون حراك ، مر على حاله هذا أيام عدة ، لا طعام ولا شراب ، فقط كل ما يربطه بالحياة كمية من الهواء التى تدخل وتخرج ، وكأنها وفود أتت لتؤدى واجب العزاء فى موته .
ضعف جسده ونحل حتى أصبح هيكلا عظميا يكسوه بعض اللحم كعلامة تميزه عن أموات القبور ، كل ماكان يفعله هو التفكير ، فعقله أبى أن يتركه وشانه ، فكر فى أشياء كثيرة إلا ان معظم تفكيره كان عن الانتقام .
فغضبه وحزنه إجتمعا معا فكانا كالوقود الذى يشعل الفكرة فى عقله .
فكر أن يقتلها ويتخلص منها لان جزاء الخيانة القتل ، أو هكذا كان يصور له عقله
فكر أن يدمر حياتها ويجعلها تعيش فى تعاسة أبد الدهر
فكر وفكر حتى أوشك جسده على الإختفاء وجحظت عيناه كالمشنوق ، فقد مر على تفكيره أشهر عدة ، أو هكذا كان يشعر ، لانه فقد الإحساس بالوقت حتى أصبح لا يفرق بين النهار والليل ، فكلاهما بالنسبة له مجرد وقت يمر عليه يقرب نهاية أجله .
حتى جاءت لحظة استنار فيها جزء من عقله المظلم ، فأضاءت له بعضا من المنطق السليم
سأل نفسه " وماذا بعد ؟! صحيح انها جرحتك جرحا صعب أن يلتئم ، لكن ما تفعله أنت انما هو إكمال للمهمة التى بدأتها هى ، ان تقضى على نفسك ، فإذا كانت هى قد هجرتك فلتقم ولتثبت لها و لنفسك أنك لست أهلا للهجران ، هيا انفض عن نفسك غبار الخذلان ، وإكسر قيد اليأس الذى أطبق على رقبتك .
أشعلت هذه الكلمات فى جسده نار الحماسة والنشاط ، فانتفض من على أريكته ، وانطلق نحو الحمام فاغتسل وهذب لحيته وشاربه حتى عاد إنسانا من جديد ، فالصورة التى رآها فى المرآة قبل أن يغير من هيئته كانت صورة لمخلوق شبيه بالإنسان .
ثم أحضر ورقة وقلم وبدأ فى كتابة الأهداف التى يريد تحقيقها ، وقام بإحصاء الخيارات المتاحة أمامه ، ثم وضع خطة كامله لما سيفعله فى الفترة القادمة ، إستغرقت هذه الجلسة منه حوالى خمس ساعات ، قام على إثرها ممتلئ بالنشاط والحيوية ، نزل الى الشارع وكانه يراه لأول مرة فقد مر على وحدته الخانقة مايزيد على الشهر ، ذهب الى مقر عمله السابق وقدم إستقالته ، لأنه قرر التغيير الجذرى .
مرت الايام والأشهر ، وهو يدرس اللغات والبرمجة ، حتى أصبح يجيد 3 لغات ، كما أنه برع فى مجال البرمجة الالكترونية بعد مايزيد على العامين فى دراسة أسسها وأصولها . أسس شركة صغيرة جدا بما إدخره على مر السنين ، وبدأت الشركة فى الإتساع رويدا رويدا ، وبدأ من بعدها فى التعامل مع الشركات الأجنبية ساعده فى ذلك شخصيته الجذابة وصدقه إخلاصة بالاضافة لإتقانه ثلاثة لغات أجنبية أهلته للتعامل مع المستثمرين الأجانب ، وفتح الله عليه ورزقه من واسع رزقه ، حتى أصبحت ثروته من ذوات الاصفار الستة .
********
فى شقة ضيقة بحى من الأحياء المتوسطة ، دق جرس الباب ، فصاح رجل مسن من داخل الشقة فى غضب
- إفتحى الباب يا إبنتى ، لعله جارنا أتى ليعطينا الايجار . هيا فنحن فى امس الحاجة إليه الآن
توجهت نحو الباب وفتحته فإذا بساعى البريد يسلمها مظروفا مغلقا بإسمها ، فتحته فإذا به مبلغ كبير من المال ورسالة مكتوب فيها
"عزيزتى نهلة
لا أعلم كيف أشكرك فقد كان مافعلتيه معى هو أفضل شيء حدث لى فى حياتى حتى الآن ، أرسلت لك مبلغا من المال كتعبير عن شكرى ، وفى نفس الوقت لانه حقك الشرعى الذى لم أستطع رده لك حينها .
فكرت فى أشياء كثيرة لأنتقم مما فعلتيه معى لكننى وبفضل الله إخترت الطريق الصعب ، لأنه الطريق الصحيح
وبعد كل هذه السنين اللهم لاشماتة ، اتمنى لك حظا سعيدا فى إيجاد زوج جديد ، تقبلى تحياتى "
ومكتوب على ظهر المظروف بخط كبير
" إذا أردت الإنتقام فاسلك طريق النجاح "
تمت
ملحوظة : عبارة" إذا أردت الانتقام فاسلك طريق النجاح" سمعتها من د.إبراهيم الفقى فى ندوة حضرتها له .