الخميس، 8 يوليو 2010

" الشيخ " ... قصة قصيرة

بعد كثير ٍمن قطرات العرق التى بذلها فى البحث المضنى عن سكن ٍجديد مناسب ، أحسَّ براحة ٍتجاه ذلك البيت ، أعجبه هدوء المنطقة التى يقبع فيها ، كما أنه شعر بطمأنينة حينما تفقد غـُرَفـَه وأثاثه

- " أريد أن أستأجره "

قالها لمالك البيت بعد أن رسم إبتسامته المعتادة على وجهه

- "حسنا يابنى ، تفضل با لجلوس لنتفق على الماديات ونضع شروط العقد "

لم يستغرق الأمر من الوقت الكثير ، على إثره سلمه المالك المفتاح وتمنى له التوفيق فى سكنه

بعد أيام معدودات ، إنتقل إلى ذاك السكن ، تاركا خلفه حياة كاملة ، أهل يشتاقون إليه ، أصدقاء يفتقدون جلسته ، جيران تعودوا رؤيته فى كل صلاة ، لكن من قال أن الحياة ثابتة؟! ، الكل يعلم أن الفراق حتمي سواء كان لفترة أو فراق أبدي ، مايصبره أن فى حالته الفراق ليس إلا لفترة دراسته .

إنتقاله كما يرى ليس مجرد تغيير سكن ، إنما تغيير حياة ، الجانب المضيء يصوره بداية صفحة جديدة له كل الخيار فيما سيخطه فيها ، صفحة تتيح له تدارك ما أخطأ فيه سلفا ، و تكرار كل جميل قد فعله يوما ، يحب دائما أن يفكر فى الأشياء بتلك النفس المتفائلة ، فقد تعلم أن الحياة لا تضحك إلا لمن يضحك لها ، خرج إلى الشرفة ليتعرف أكثر على المنطقة التى سيعلق فيها حقبة من الزمن ، أعجبه المنظر كثيرا ، صحيح أنه لا يضاهى منظر النيل الذى أدمن رؤيته من شرفة منزله ، لكن لا بأس به ، بنايات شاهقة تحيطه من كل جانب ، مخبز ، صيدلية ، مطعم ، وكثير من محلات البقالة ، أعطوا للمنطقة روح الحياة بالرغم من الهدوء الذى يخيم أرجائها ، أكثر ما لفت إنتباهه كان ذلك المسجد الذى ترتفع مئذنته الشامخة وكانها نقطة المركز التى تشعرك أن منها يبدأ كل شيء .

شارفت الشمس على المغيب ، بدأ يتلو أذكار المساء ، عيناه لا تفارقان السماء ، هكذا تعود من الصغر ، فهو يرى روعة خلق الله فى تلون السماء وقت الغروب ، فتخرج الأذكار من قلب يستشعر الجمال ، فيزداد حبا لله الخالق ، أنهى الأذكار وبدأ فى تلاوة " وِرد الرابطة " ، وصل إلى الجزء الذى يتذكر فيه كل من أحبهم فى الله ، لم يتمالك نفسه ، فرَّت دمعات الشوق على وجنتيه ، ودمعاتٌ أخرى تشكر الله على نعمة الحب فيه ، وهو يتلو ما تبقى من الوِرد إرتفع صوت المؤذن يشدو بأن الله أكبر ، ولينادى كل من أسلم بأن حيَّ على الصلاة لتفلح .

توضأ ونزل إلى المسجد هادئ الخطوات ، شعورٌ غريبٌ إنتابه ، شعور بأنه غير مرئي ، أو هكذا خُيِّل إليه ، فهو تعود على أن كل من يراه يسلم عليه ، الكل يعرفه فى موطنه الأصلي ، الكل بلا إستثناء ، الحال الآن تغير فهو فى منطقة لا يعرفه فيها إلا الله عز وجل ، دلف إلى المسجد ، صلى ركعتى التحية وجلس فى إنتظار الصلاة ، أخذ يتأمل فى جنبات المسجد ، أعجبته الزخارف فى السقف وعلى الجدران ، كان واضحا من حجم المسجد وعدد المصلين فيه أنه المسجد الرئيسي للحي ، بعد دقائق قليلات امتلأ المسجد تماما ، أقام المؤذن الصلاة ، وتوجه رجلٌ يبدو فى العقد السادس من عمره إلى محراب الإمام دون أن يُقدِّمه أحد ، وجهر بتكبيرة الإحرام .

إنه يعلق آمالا كبيرة على سكنه الجديد فى أن يكون خلاصا من إمام المسجد فى بلده ، وهربا من قراءته الغريبة وحفظه الوهن وصوته الذى يشبه صوت الغراب ، ولكم كانت صدمته شديدة عندما بدأ الإمام فى قراءة الفاتحة ، شعر بأنه كان يصلى وراء" مشارى راشد" فى بلدته ، أيقن أنه كالمستجير من الرمضاء بالنار ، لم يصدق فى بداية الأمر أن القراءة سيئة إلى هذا الحد القاسى ، لكن قراءة بعضا من آيات سورة البقرة كانت كفيلة بتأكيد ظلام الصورة ، القرآن الذى يسمعه الآن لا علاقة له بقرآننا الذى أنزل على النبي الأعظم ، شعر برغبة فى السفر إلى بلده ليُقـَبـِّل يد المصيبة التى هناك بإعتبارها لا تقارن بما يسمعه الآن ، ياللهول ، كيف لهذه الجموع العظيمة فى تلك المنطقة الراقية أن ترضى بإمامة هذا الرجل ، هل من المعقول أن يخلو المسجد بأكمله من رجل يقرأ القرآن قراءة صحيحة فيقدم نفسه ليرفع الحرج عن المصلين ، ظلت التساؤلات تثار فى عقله ، وجسده يتبع الآخرين فى حركاتهم بلا وعي منه أو تفكير ، لم يستفق من شروده إلا على صوت الإمام ينهى الصلاة ، سلم مع المسلـِّمين ، وقام إلى ركن من أركان المسجد فأعاد صلاته من جديد ، فشروده فى الصلاة شغله عن صحتها وترديده لأذكارها المفروضة .

ظل هذا الأمر يؤرقه ، يفكر فيه بلا إنقطاع ، أكثر ما يحتاجه فى غربته إستقراره النفسي ، فكيف تقر نفسه مع صلاة كهذى ، فكر فى أن يصلى فى مسجد آخر ، لكنه إكتشف أن كل المساجد فى المنطقة ليست إلا "زوايا " ، وهذا هو المسجد الوحيد فى المنطقة ، مرت الأيام وصدمته تزداد ، فرؤيته لرضا أهل الحي يزيد من إحباطه وضيقه ، ما يخيفه حقا أن يكون آثما بسكوته ، فهو يحفظ القرآن كاملا ، ويجيد قراءته ، وكل من صلى ورائه يشهد بحلاوة صوته ، قبوله للواقع يختلف عن قبول الآخرين ،

لقد أصبح ساكنا من سكان الحي الآن ، وأصبح له مالهم وعليه ما عليهم ، لابد من أن يفعل شيئا ، لكن ماذا بإمكان الغريب أن يفعل فى منطقة لا يعرفه فيها أحد ، كيف يبدأ تعارفه على الناس بمشكلة ، هو يعلم أن الإمامة فى مصر غالبا تعطى بالعرف ، رجل يصلى مرة تليها مرة ، حتى يصبح واقعا يرضى به المصلون ، ويصبح العرف أن هذا هو إمامهم ، و محاولة مخالفة هذا العرف تعد وقاحة لا يُغفر لمرتكبها حتى ولو تاب وأقر بذنبه ، يعلم جيدا أنه سيصبح فى حكم من أجرم فى حق نفسه ووطنه وجيرانه و دينه وكل شيء إذا سولت له نفسه أن يفعل ما يراه هو واجبا .

لكن النفس التى إعتادت أن ترضى الله عز وجل ، تعلم جيدا أن رضا الناس فى رضاه والعكس بعيد عن الصواب ، أنشودته المفضلة التى يحفظها عن ظهر قلب تتردد كلماته فى عقله وقلبه

" مجرم قالوا لأنى أرفض الذل الكبير ، أرفض العيش بصمت ضمه القهر المرير ، فليقولوا ما يقولوا ، أنت من أرجو رضاه ، أنت من تعلم أنى لك أرخصت الحياة "

أيقن فى قرارة نفسه أن عليه التصرف دون النظر إلى العواقب ، هو لا يعلم كيف ؟ فسأل الله أن يدله هو .

مرت الأيام والحال يزداد سوءا ، وهو لا يعرف ماذا يفعل ، حتى أتى ذلك اليوم الذى سطر فيه تاريخا جديدا له فى حياته ، المسجد يمتلأ عن بكرة أبيه ، المؤذن يقيم الصلاة ، الكل يصطف فى هذا التناسق العجيب ،الموقف يبدو لكل من فى المسجد موقفا روتينيا يحدث كل صلاة ، قلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه من شدة الخوف ، تذكر كلمات الأنشودة ، هدأ تماما ، شق الصفوف بهدوء عجيب وسط إستغراب المصلين لإقتحاماته ، إقترب شيئا فشيئا حتى سبق الإمام الذى كان يتهيأ للتوجه إلى المحراب ، إكتست علامات الغضب على الإمام ، وساد الصمت أرجاء المسجد ، تلاه صوت همهمات ، الكل يهمس فى إستغراب ، صوت جلبة من آخر المسجد ، وصوت رجل مسن ينوى تأديب الوقح الذى جرؤ على التعدى على المقدسات ، الفتنة على وشك أن تقع

- " الله أكبر "

الصمت عاد من جديد ليغزو جنبات المسجد ، هدأت الفتنة ولو للحظات ، فالكل يترقب إنتهاء الصلاة ليعلموه درسا لن ينساه

- " الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، إياك نعبد وإياك نستعين "

خرجت الآيات من قلبه تباعا ، ومعها خرجت من المسجد كل بادرة فتنة كانت على وشك أن تقوم ، كل من أراد سوءا إستحال إلى مستمتع بهذا الصوت الندي ، وتلك القراءة الصحيحة ، وذلك الحفظ الرائع ، الكل ترك لأذنيه العنان ، كأنما يستمعون إلى القرآن لأول مرة فى حياتهم . فهم لم يسمعوا من قبل قرآنا يخرج من قلب أراد رضا الله حتى ولو كان فى سخط الناس

استمر فى الصلاة ، ركعة تتلوها الركعة ، وصل إلى التشهد الأخير ، اقترب من نهاية الصلاة ، وبداية المواجهة المنتظرة ، سلَّم فسلموا ورائه ، بدأ بعض القلق يعتريه ، التفت وجلس ليختم الصلاة ، عيناه لم ترتفعا لحظة فى وجوه المصلين ، فهو لا يريد صداما ، إقترب من إنهاء الختم ، ليحدث ما كان يتجنبه ، الرجل المسن الذى كان على وشك أن يعنفه قبل أن يدخل فى الصلاة قام من على مقعده وتحرك فى إتجاه المحراب ، أخذ يقترب منه شيئا فشيئا ، قلقه يزداد ، رفع عيناه فى عينا المسن ليحاول أن يفهمه لماذا فعل ما فعل ، لكن أتته المفاجأة ، فقد كانت الابتسامة تكسو وجه المسن بدلا من قسمات الغضب التى كان يتوقعها

- " فتح الله عليك يابني ، أرجو أن تسامحنا على ردة فعلنا قبل الصلاة ، ونرجو منك أن تقبل طلبنا فى أن تؤمنا فى كل الصلوات "

كلماته التى كان ينوى أن يقولها فى حالة الصدام لم تعد ذات قيمة ، وعقله من المفاجأة غير قادر على إيجاد الكلمات المناسبة لهذا الموقف ، فاستعان بإبتسامة الخجل ليفهم المسن ما يدور بقلبه ، سلم عليه وخرج مسرعا متوجها إلى بيته ، صلى لله ركعتي شكر على ما وفقه إليه ودعا الله

- اللهم إجعلنى أحسن مما يظنون واغفر لى مالا يعلمون

مرت الأيام ، أصبح كل من فى المنطقة يعرفه ، الطريف أنهم لا يعرفون من أين جاء ، ماذا يعمل ، حتى أن كثيرين لا يعرفون إسمه ،الآن أصبح ينادى بإسم جديد

" الشيخ "



السبت، 3 يوليو 2010

ماراثون .. وذكريات ٌ تمر



اليوم


سعادتى لا توصف


عدت إلى البيت بعد أكثر من أربعين يوما من إقامتى بمعسكر المذاكرة المغلق الذى فرض على فرضا .


أربعون يوما من المذاكرة المتصلة بلا إنقطاع


أنا على يقين أنه لولا رحمة الله عز وجل بنا لكنت الآن فى مستشفى الأمراض العقلية ..


تقريبا أصعب أيام حياتى ..


أربعون يوما لم أرى أهلى


أربعون يوما أغرق فى الكتب


ذاكرت مايتعدى الثلاثة آلاف صفحة فى تلك المدة ...


أديت إختبارات هى الأصعب فى تاريخ كليتنا ، بشهادة الجميع بمن فيهم من سبقونا ..


فعلت أشياء كنت اعدها من المستحيلات ...


على سبيل المثال لا الحصر ذاكرت مايقرب من ستمائة صفحة فى ثلاثة أيام فقط ...


مرت علىَّ أيام ظننت فيها أن هذا الكابوس لن ينتهى أبدا...


كنت أشعر أنى علقت فى حقبة زمنية لا خلاص منها ...


لكن ظنى كان خاطئا تماما ...


مرت كشأن السابقات


صحيح أنها أصعبهم ، لكن هذا مايعطى لخلاصها طعما الآخر ...


كل الآلام تبددت عندما كنت اليوم فى آخر إختبار لى فى حياتى الدراسية التى قاربت الثمانية عشرة عاما ...


كل الغيوم انقشعت عندما إبتسم لنا الأستاذ الدكتور الممتحن فى لجنة الشفوى وهو يقول لنا بلطف شديد


" خلاص ، هتبقوا دكاترة يا ولاد " ...


اليوم عدت إلى البيت ، عانقت أمى ، جلست مع إخوتى ، قبلت أبى ، وإستعدت جزءا كبيرا من حياتى المفقودة ..


اليوم أصبحت أكثر نضجا ،


أوسع صدرا ،


أهدأ بالا ،


اليوم تعلمت أنه لا شيء يستعصى على الزمان ...


الكل يمر ، الكل يزول ، الكل يتحول إلى محض ذكريات ..


اليوم من أسعد أيام فى حياتى


سعيد جدا أن الله عز وجل وفقنى أن أكون على قدر المسئولية ، ألا أتهاون ، أن أكد وأتعب ، وألا أعطى فرصة للآلام أن تنسينى مهمتى ...


أنتظر النتيجة بغير قلق بإذن الرحمن


فأنا أشعر أنى أديت واجبى بما يرضى ربى ...


وأعلم أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملى ...


سأتذكر تلك الأيام فى تحدياتى القادمة ..


وسأذكر أن أى تحدى ينحصر بين جملتين


الأولى : " ذاكروا كويس ، عشان إحنا إتفقنا السنة دى إن الإمتحان غير أى سنة فاتت " قالها لنا أستاذ قبل الإمتحانات بأسبوعين تقريبا


الثانية " " خلاص يا ولاد هتبقوا دكاترة " .. قالها لنا أستاذٌ آخر اليوم



دعواتكم بنتيجة تسر الحبيب ... ولقاءاتى بكم على المدونة إلى عودة بإذن الله

الجمعة، 12 مارس 2010

دوران

طـُلبَ منى أن أكتب كلمة التقديم لدورة " إدارة الوقت " التى نظمتها أسرتى " أسرة المستقبل " بالكلية ، وبعد أن كتبتها رأيت أنها تصلح لأن تكون موضوعا لمدونتى ..
**************
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ، الصحة والفراغ " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
عقاربُ الساعة تدور بلا توقف ، ومعها تدور عجلة حياتنا ، وتمرُّ أوقاتـُنا ، وتنقضى أعمارُنا ، ونرجع إلى حيث أتينا ، وتبقى آثارنا التى صنعناها ، وبصماتنا التى وضعناها ، فدنيانا ليست إلا دار عمل ، وعلى قدر العطاء يكون الجزاء ، وهنا ينقسم الناس نوعان :
نوعٌ كالذى قال :
جئتُ لا أعلم من أين ولكني أتيتُ...
ولقد أبصرت قُدّامي طريقا فمشيتُ...
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيتُ ...
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟...
لست أدري!
.................
ونوعٌ آخر :
فطِن إلى أنَّ وقته هو عمره ، وأن كل لحظة تمرُّ إنما تأخذ فى طريقها بعضا منه ، فأدرك أن أنفاسه عليه معدوده ، وفترة بقائه فى الحياة محدودة ، فصنع من نفسه كتلة ًمن البذل ، وجعل من وقته ثروته التى يستثمر فيها ، فعمل دائما على أن يدير وقته ، بل زاد على ذلك فأصبح يعمل على أن يبدع فى إدارة ذاك الوقت ..
هؤلاء تصبح شمس ذكراهم مشرقة ، وأوراق شجرتهم مورقة ، ويظلوا هم الأقوى حضورا بأرواحهم مهما طال غياب أجسادهم
ولأننا ننشد أن نكون من هؤلاء ، كانت ندوتنا "إدارة الوقت " خطوة فى طريق الريادة ، لنكون دوما فى زيادة ، وتصبح نشاطاتنا كلها عبادة ، وهل هناك عبادة أجَـلُّ من أن نتعلم كيف ندير حياتنا ..
................
" أقسم أنَّ على هذه الطاولة الآن خالدٌ و فان ٍ" د.على أبو الحسن ونحن نتناول معه الفطور فى البحرين
********************
على الهامش :
"رزقنى الله عز وجل بالمركز الثالث على مستوى الجامعة فى مسابقة القصة القصيرة
عن قصة أسطورة"