بعد كثير ٍمن قطرات العرق التى بذلها فى البحث المضنى عن سكن ٍجديد مناسب ، أحسَّ براحة ٍتجاه ذلك البيت ، أعجبه هدوء المنطقة التى يقبع فيها ، كما أنه شعر بطمأنينة حينما تفقد غـُرَفـَه وأثاثه
- " أريد أن أستأجره "
قالها لمالك البيت بعد أن رسم إبتسامته المعتادة على وجهه
- "حسنا يابنى ، تفضل با لجلوس لنتفق على الماديات ونضع شروط العقد "
لم يستغرق الأمر من الوقت الكثير ، على إثره سلمه المالك المفتاح وتمنى له التوفيق فى سكنه
بعد أيام معدودات ، إنتقل إلى ذاك السكن ، تاركا خلفه حياة كاملة ، أهل يشتاقون إليه ، أصدقاء يفتقدون جلسته ، جيران تعودوا رؤيته فى كل صلاة ، لكن من قال أن الحياة ثابتة؟! ، الكل يعلم أن الفراق حتمي سواء كان لفترة أو فراق أبدي ، مايصبره أن فى حالته الفراق ليس إلا لفترة دراسته .
إنتقاله كما يرى ليس مجرد تغيير سكن ، إنما تغيير حياة ، الجانب المضيء يصوره بداية صفحة جديدة له كل الخيار فيما سيخطه فيها ، صفحة تتيح له تدارك ما أخطأ فيه سلفا ، و تكرار كل جميل قد فعله يوما ، يحب دائما أن يفكر فى الأشياء بتلك النفس المتفائلة ، فقد تعلم أن الحياة لا تضحك إلا لمن يضحك لها ، خرج إلى الشرفة ليتعرف أكثر على المنطقة التى سيعلق فيها حقبة من الزمن ، أعجبه المنظر كثيرا ، صحيح أنه لا يضاهى منظر النيل الذى أدمن رؤيته من شرفة منزله ، لكن لا بأس به ، بنايات شاهقة تحيطه من كل جانب ، مخبز ، صيدلية ، مطعم ، وكثير من محلات البقالة ، أعطوا للمنطقة روح الحياة بالرغم من الهدوء الذى يخيم أرجائها ، أكثر ما لفت إنتباهه كان ذلك المسجد الذى ترتفع مئذنته الشامخة وكانها نقطة المركز التى تشعرك أن منها يبدأ كل شيء .
شارفت الشمس على المغيب ، بدأ يتلو أذكار المساء ، عيناه لا تفارقان السماء ، هكذا تعود من الصغر ، فهو يرى روعة خلق الله فى تلون السماء وقت الغروب ، فتخرج الأذكار من قلب يستشعر الجمال ، فيزداد حبا لله الخالق ، أنهى الأذكار وبدأ فى تلاوة " وِرد الرابطة " ، وصل إلى الجزء الذى يتذكر فيه كل من أحبهم فى الله ، لم يتمالك نفسه ، فرَّت دمعات الشوق على وجنتيه ، ودمعاتٌ أخرى تشكر الله على نعمة الحب فيه ، وهو يتلو ما تبقى من الوِرد إرتفع صوت المؤذن يشدو بأن الله أكبر ، ولينادى كل من أسلم بأن حيَّ على الصلاة لتفلح .
توضأ ونزل إلى المسجد هادئ الخطوات ، شعورٌ غريبٌ إنتابه ، شعور بأنه غير مرئي ، أو هكذا خُيِّل إليه ، فهو تعود على أن كل من يراه يسلم عليه ، الكل يعرفه فى موطنه الأصلي ، الكل بلا إستثناء ، الحال الآن تغير فهو فى منطقة لا يعرفه فيها إلا الله عز وجل ، دلف إلى المسجد ، صلى ركعتى التحية وجلس فى إنتظار الصلاة ، أخذ يتأمل فى جنبات المسجد ، أعجبته الزخارف فى السقف وعلى الجدران ، كان واضحا من حجم المسجد وعدد المصلين فيه أنه المسجد الرئيسي للحي ، بعد دقائق قليلات امتلأ المسجد تماما ، أقام المؤذن الصلاة ، وتوجه رجلٌ يبدو فى العقد السادس من عمره إلى محراب الإمام دون أن يُقدِّمه أحد ، وجهر بتكبيرة الإحرام .
إنه يعلق آمالا كبيرة على سكنه الجديد فى أن يكون خلاصا من إمام المسجد فى بلده ، وهربا من قراءته الغريبة وحفظه الوهن وصوته الذى يشبه صوت الغراب ، ولكم كانت صدمته شديدة عندما بدأ الإمام فى قراءة الفاتحة ، شعر بأنه كان يصلى وراء" مشارى راشد" فى بلدته ، أيقن أنه كالمستجير من الرمضاء بالنار ، لم يصدق فى بداية الأمر أن القراءة سيئة إلى هذا الحد القاسى ، لكن قراءة بعضا من آيات سورة البقرة كانت كفيلة بتأكيد ظلام الصورة ، القرآن الذى يسمعه الآن لا علاقة له بقرآننا الذى أنزل على النبي الأعظم ، شعر برغبة فى السفر إلى بلده ليُقـَبـِّل يد المصيبة التى هناك بإعتبارها لا تقارن بما يسمعه الآن ، ياللهول ، كيف لهذه الجموع العظيمة فى تلك المنطقة الراقية أن ترضى بإمامة هذا الرجل ، هل من المعقول أن يخلو المسجد بأكمله من رجل يقرأ القرآن قراءة صحيحة فيقدم نفسه ليرفع الحرج عن المصلين ، ظلت التساؤلات تثار فى عقله ، وجسده يتبع الآخرين فى حركاتهم بلا وعي منه أو تفكير ، لم يستفق من شروده إلا على صوت الإمام ينهى الصلاة ، سلم مع المسلـِّمين ، وقام إلى ركن من أركان المسجد فأعاد صلاته من جديد ، فشروده فى الصلاة شغله عن صحتها وترديده لأذكارها المفروضة .
ظل هذا الأمر يؤرقه ، يفكر فيه بلا إنقطاع ، أكثر ما يحتاجه فى غربته إستقراره النفسي ، فكيف تقر نفسه مع صلاة كهذى ، فكر فى أن يصلى فى مسجد آخر ، لكنه إكتشف أن كل المساجد فى المنطقة ليست إلا "زوايا " ، وهذا هو المسجد الوحيد فى المنطقة ، مرت الأيام وصدمته تزداد ، فرؤيته لرضا أهل الحي يزيد من إحباطه وضيقه ، ما يخيفه حقا أن يكون آثما بسكوته ، فهو يحفظ القرآن كاملا ، ويجيد قراءته ، وكل من صلى ورائه يشهد بحلاوة صوته ، قبوله للواقع يختلف عن قبول الآخرين ،
لقد أصبح ساكنا من سكان الحي الآن ، وأصبح له مالهم وعليه ما عليهم ، لابد من أن يفعل شيئا ، لكن ماذا بإمكان الغريب أن يفعل فى منطقة لا يعرفه فيها أحد ، كيف يبدأ تعارفه على الناس بمشكلة ، هو يعلم أن الإمامة فى مصر غالبا تعطى بالعرف ، رجل يصلى مرة تليها مرة ، حتى يصبح واقعا يرضى به المصلون ، ويصبح العرف أن هذا هو إمامهم ، و محاولة مخالفة هذا العرف تعد وقاحة لا يُغفر لمرتكبها حتى ولو تاب وأقر بذنبه ، يعلم جيدا أنه سيصبح فى حكم من أجرم فى حق نفسه ووطنه وجيرانه و دينه وكل شيء إذا سولت له نفسه أن يفعل ما يراه هو واجبا .
لكن النفس التى إعتادت أن ترضى الله عز وجل ، تعلم جيدا أن رضا الناس فى رضاه والعكس بعيد عن الصواب ، أنشودته المفضلة التى يحفظها عن ظهر قلب تتردد كلماته فى عقله وقلبه
" مجرم قالوا لأنى أرفض الذل الكبير ، أرفض العيش بصمت ضمه القهر المرير ، فليقولوا ما يقولوا ، أنت من أرجو رضاه ، أنت من تعلم أنى لك أرخصت الحياة "
أيقن فى قرارة نفسه أن عليه التصرف دون النظر إلى العواقب ، هو لا يعلم كيف ؟ فسأل الله أن يدله هو .
مرت الأيام والحال يزداد سوءا ، وهو لا يعرف ماذا يفعل ، حتى أتى ذلك اليوم الذى سطر فيه تاريخا جديدا له فى حياته ، المسجد يمتلأ عن بكرة أبيه ، المؤذن يقيم الصلاة ، الكل يصطف فى هذا التناسق العجيب ،الموقف يبدو لكل من فى المسجد موقفا روتينيا يحدث كل صلاة ، قلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه من شدة الخوف ، تذكر كلمات الأنشودة ، هدأ تماما ، شق الصفوف بهدوء عجيب وسط إستغراب المصلين لإقتحاماته ، إقترب شيئا فشيئا حتى سبق الإمام الذى كان يتهيأ للتوجه إلى المحراب ، إكتست علامات الغضب على الإمام ، وساد الصمت أرجاء المسجد ، تلاه صوت همهمات ، الكل يهمس فى إستغراب ، صوت جلبة من آخر المسجد ، وصوت رجل مسن ينوى تأديب الوقح الذى جرؤ على التعدى على المقدسات ، الفتنة على وشك أن تقع
- " الله أكبر "
الصمت عاد من جديد ليغزو جنبات المسجد ، هدأت الفتنة ولو للحظات ، فالكل يترقب إنتهاء الصلاة ليعلموه درسا لن ينساه
- " الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، إياك نعبد وإياك نستعين "
خرجت الآيات من قلبه تباعا ، ومعها خرجت من المسجد كل بادرة فتنة كانت على وشك أن تقوم ، كل من أراد سوءا إستحال إلى مستمتع بهذا الصوت الندي ، وتلك القراءة الصحيحة ، وذلك الحفظ الرائع ، الكل ترك لأذنيه العنان ، كأنما يستمعون إلى القرآن لأول مرة فى حياتهم . فهم لم يسمعوا من قبل قرآنا يخرج من قلب أراد رضا الله حتى ولو كان فى سخط الناس
استمر فى الصلاة ، ركعة تتلوها الركعة ، وصل إلى التشهد الأخير ، اقترب من نهاية الصلاة ، وبداية المواجهة المنتظرة ، سلَّم فسلموا ورائه ، بدأ بعض القلق يعتريه ، التفت وجلس ليختم الصلاة ، عيناه لم ترتفعا لحظة فى وجوه المصلين ، فهو لا يريد صداما ، إقترب من إنهاء الختم ، ليحدث ما كان يتجنبه ، الرجل المسن الذى كان على وشك أن يعنفه قبل أن يدخل فى الصلاة قام من على مقعده وتحرك فى إتجاه المحراب ، أخذ يقترب منه شيئا فشيئا ، قلقه يزداد ، رفع عيناه فى عينا المسن ليحاول أن يفهمه لماذا فعل ما فعل ، لكن أتته المفاجأة ، فقد كانت الابتسامة تكسو وجه المسن بدلا من قسمات الغضب التى كان يتوقعها
- " فتح الله عليك يابني ، أرجو أن تسامحنا على ردة فعلنا قبل الصلاة ، ونرجو منك أن تقبل طلبنا فى أن تؤمنا فى كل الصلوات "
كلماته التى كان ينوى أن يقولها فى حالة الصدام لم تعد ذات قيمة ، وعقله من المفاجأة غير قادر على إيجاد الكلمات المناسبة لهذا الموقف ، فاستعان بإبتسامة الخجل ليفهم المسن ما يدور بقلبه ، سلم عليه وخرج مسرعا متوجها إلى بيته ، صلى لله ركعتي شكر على ما وفقه إليه ودعا الله
- اللهم إجعلنى أحسن مما يظنون واغفر لى مالا يعلمون
مرت الأيام ، أصبح كل من فى المنطقة يعرفه ، الطريف أنهم لا يعرفون من أين جاء ، ماذا يعمل ، حتى أن كثيرين لا يعرفون إسمه ،الآن أصبح ينادى بإسم جديد
" الشيخ "

