
وقـَفـَتْ فى المطبخ تـُعدّ طعام الغذاء ، وضعت حلـّة الضغط على النار تاركة ًالطعام ينضج ، وقفت تقطع بعضا من الخضروات ، سالت من عينيها دمعة حاولت كثيرا أن تمنعها من الخروج ، شعور بالوحدة يسيطر عليها ، وإحساسٌ بالقهر يتملكها ، استرجعت شريط أحداث اليوم الذى هو تكرارٌ لكل يوم ،تستيقظ مبكرا ، تقوم بإعداد الفطور لزوجها وأولادها ، يذهب أولادها إلى مدارسهم ، فتجلس هى مع زوجها ، تعاتبه على تقصيره فى حقها عليه وفى إنشغاله الدائم عنها ، ثم تنفعل عليه شاكية ًهمَّها ، وأنها ملت الحياة معه بهذه الطريقة ، يحاول هو أن يهدئها ، ويخبرها أن انشغاله هذا إنما ليوفر لها ولأولادهما حياة كريمة ، يعتب عليها كثرة تذمرها وشكواها ، ترد عليه ردا قاسيا يكون سببا فى اندلاع ثورة غضبه وخروجه من البيت منفعلا .
أبدلت شريط أحداث اليوم بشريط أحداث بداية زواجها به ، كانت تعشقه بجنون ، وكان يبادلها عشقا مضاعفا ، كل من يشاهدهما معا ، يقسم أنهما خلقا لبعضهما ، تذكرت قصائد الشعر التى كان يكتبها فيها ، تذكرت لمسة الحنان فى كفه عندما كان يمسك بكفها ، ونظرة العشق التى كانت تذيبها كلما التقت عيناهما ، تذكرت نظرات القلق على وجهه عندما كانت تمرض ، وسهره بجانبها يُمَرِّضُها ويعد لها الطعام بل ويطعمها بيديه حتى تقوم من على فراش المرض .
كانت تتمنى ألا تستفيق من هذه الذكريات ، لكن صوت البخار الصاعد من حلة الضغط كان كفيلا بأن يعيدها مرة أخرى الى زمن الحاضر ، انتبهت الى أن الدمعة التى كانت تحاول منعها من الخروج أصبحت سيلا من الدموع .
أخذت تسائل نفسها باحثة عن الجواب ، ما الذى وصل بهما الى هذه النقطة ، كيف لقلبين عاشا قصة الحب هذه أن يحدث بينهما جفاء؟! ، من المسئول عن تدهور العلاقة ؟، هو أم هى ؟ ، أخذت تلقى بكامل اللوم عليه ، وأقنعت نفسها بأن انشغاله بعمله وسفره الدائم هو السبب الأول فيما حدث ، جزء من قلبها يريد أن يلقى ببعض اللوم عليها ، فانشغالها هى أيضا فى تربية أولادهما ، وكثرة متطلباتها ، وازدياد شكوتها ، قد يكون سببا فى ما حدث ، لكن عقلها يبرر لها ما تفعل بأن من الطبيعى أن تكثر شكوتها وتزداد متطلباتها ، فتربية أبنائهما تستنزف منها كل طاقتها ، كما أن يومها يكون دوما حافلا بالصراخ والمشاكل التى تحدث بين أبنائهما ، فلا تجد بعد هذه المعاناة أحدا تخرج فيه همها سواه ، ويجب عليه هو أن يتحمل صراخها فيه كما تتحمل هى صراخ أبنائها طوال اليوم ، ليس تفضلا منه وإنما واجب عليه .
استمر حديثها مع نفسها فترة كبيرة ما بين لائم وملوم ، وصوت البخار الصاعد من الحلة فى ازدياد مع خروج كمية كبيرة من فوهة الغطاء، كانت تريد أن تنتهى من إعداد الطعام فى أسرع وقت حتى تذهب الى النوم ، فهى لا تريد أن تفكر أكثر من ذلك ، قامت بزيادة النار حتى ينضج الطعام أسرع ، كمية البخار تزداد ... تزداد ... تزداد ، وصوت البخار يعلو ... يعلو ... يعلو ، وفجأة
بوووووووووووووووووووووووم
صوت انفجار رهيب ، تلاه صوت ارتطام شيئ معدني بالأرض، سحابة من البخار ملأت المطبخ ، صرخة مدوية خرجت من حلقها ، دون أن تدرى ما الذى قد حدث ، دقيقة أو دقيقتان من السكوت الرهيب ، ومحاولة منها لتستجمع قواها ، بدأ البخار يختفى شيئا فشيئا ، اتضحت الرؤيا ، غطاء الحلة على الأرض ، أشلاء طعام متبعثرة على الجدران والسقف والأرضية ،أصبح المطبخ كساحة معركة قضى فيها الجيشان على بعضهما البعض ، بدأت تهدأ شيئا فشيئا ، تناولت كوبا من الماء ، أغلقت النار ، ذهبت إلى غرفة نومها ، استلقت على السرير تهدئ من روعها ، أخذت تفكر فيما حدث ، التقطت سماعة الهاتف ، اتصلت به
- حبيبى ، أنا آسفة
- صوتك متعب ، هل حدث شيء ؟ هل بك شيئ ؟
- اطمأن ، أنا بخير
- إذا فعلام تتأسفى ؟
- على أنى كنت أظن أن على حلة الضغط أن تتحمل النار مهما زادت حدتها .
تمت بحمد الله

